عفيف الدين التلمساني

24

شرح مواقف النفري

أنه خلصه من شبهة كثيرا ما تقع لأهل السلوك وهي أنهم عندما ترد عليهم المعارف يطابقون بينها وبين ما عرفوه من العلم الظاهر فيجدونها مخالفة لمفهومهم منه وإن لم تخالفه في نفس الأمر فيتحيرون في طلب الجمع بين معنى العلم ومعنى المعرفة فقال لهم : إن تعرفه الذي أبداه وهو العلم لا يحتمل تعرفه الذي لم يبده وهو المعرفة ، فأراح عبده بهذا الخطاب من التعب في طلب الجمع بين العلم والمعرفة ، ومعنى لا يحتمل أي لا يقبل المعرفة ؛ وذلك لأن العلم هو تعرف لأهل الحجاب من ظهور عقولهم المحجوبة ، والمعرفة تعرف للخاصة من حيث رفع الحجاب عنهم ، ولأن المعرفة تشير إلى الوحدانية والعلم يشير إلى ضد معنى الوحدانية ، وسنبين هذا في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه ، وحاصله يظهر من قولهم : « حسنات الأبرار سيئات المقربين » « 1 » والفعل الواحد يكون حسنة بالنسبة إلى الأبرار ، وذلك في طور العلم ، وذلك الفعل بعينه سيئة بالنسبة إلى المقربين ، وذلك في طور المعرفة . قوله : ( وقال لي : لا أنا التعرف ولا أنا العلم ، ولا أنا كالتعرف ولا أنا كالعلم ) . معناه : شهود حضرتي ليس هو ما يقتضيه العلم ولا هو كالذي تقتضيه المعرفة ، ولا كالذي يقتضيه العلم ، والإشارة في هذا إلى أن شهود الوقفة هي شهود حضرته ، والوقفة سيأتي شرحها في موقفها ونذكر هنا نبذة من ذلك ، ولنقدم عليها شرح المجاز الذي استعمل في لفظ هذا التنزل وهو قوله : « لا أنا التعرف » وهو مجاز لحذفه حرف المضاف وإقامته المضاف إليه مقامه ، وتقديره : « لا أنا مدلول التعرف ولا أنا مدلول العلم » فحذف مدلول وأقام ما أضيف إليه مقامه ، ولنعد إلى النبذة المذكورة وهي أن مدلول العلم يقتضي أنه مع الحق في الوجود سواه وهو العالم ، ومدلول المعرفة أن ليس في الوجود غيره تعالى فتتخالف المدلولات والحق تعالى وراء ذلك كله ، فإن المعرفة وإن كانت أقرب من العلم فإنها لا بد أن يبقى معها رسم الشرك في إثبات عارف ومعروف ، والحق منزه عن الثنوية في حضرة عزه ؛ فليس إذن هو مدلول المعرفة أيضا .

--> ( 1 ) قال العجلوني في كشف الخفاء : هو من كلام أبي سعيد الخراز كما رواه ابن عساكر في ترجمته . ( انظر كشف الخفاء ، حديث رقم ( 1137 ) [ 1 / 428 ] ) .